حكم إقامة الجمعة في البيوت [نازلة كورونا]

بسم الله الرحمن الرحيم

حكم إقامة الجمعة في البيوت [نازلة كورونا]

الحمد لله ربا العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

فقد سأل عدد من الفضلاء عن صحة إقامة الجمعة في البيوت؛ نظرًا لما نزل بالناس من أمر هذا الفيروس (كورونا)، الذي أسأل الله تعالى رفعه عاجلًا غير آجلٍ.. آمين

فأقول مستعينًا بالله تعالى راجيًا منه التوفيق:

النظر في هذه المسألة من جهتين:

الأولى: حكم إقامة الجمعة في البيوت أو الأبراج السكنية.
الثانية: مخالفة توجيهات الدولة المانعة للاجتماع.

أما الأولى ففي المذهب الشافعي: يصح أن تقام الجمعة في البيت، ولا يشترط أن تقام في المسجد، قال العلامة سليمان الجمل في حاشيته على شرح المنهج: (قال في حاشية الجمل على المنهج: ((قوله أيضا وعسر اجتماعهم بمكان) أي محل من البلد ولو فضاء ولو غير مسجد فمتى كان في البلد محل يسعهم امتنع التعدد)، لكن صحتها مقيدة بتوفر الشروط الأخرى، والتي منها:

– عدم تعدد الجُمَع في القرية أو المدينة إلا إذا عسر الاجتماع في مكان واحد.

– أن يكون العدد أربعين من أهل الكمال، وهم من توفرت فيهم الشروط الآتية: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والذكورة، والاستيطان(1).

ويوافق الشافعية في الشرط الأول: المالكية والحنابلة.
ويوافقهم في الشرط الثاني: الحنابلة.

وهذان الشرطان لا يتوفران في كثيرٍ من الجُمَع التي تُقام في أحوال السلامة، بل غالبًا بالنسبة للشرط الأول – بحسب علمي – يُقلَّدُ مذهبُ الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله تعالى القائلِ بجواز تعدد الجُمَع ولو من غير حاجة، والقائلِ بصحة انعقاد الجمعة بثلاثةٍ سوى الإمام، فلقائلٍ أن يقول: يمكن تقليده في هاتين المسألتين.

لكن أقول: يبقى إشكالٌ، وهو:
أنَّ مذهب الإمام أبا حنيفة رحمه الله اشتراط أذن الإمام في إقامة الجمعة.
قال في مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح في شروط الجمعة: ( الخامس من شروط صحة الجمعة : الإذن العام، كذا في الكنز لأنها من شعائر الإسلام وخصائص الدين فلزم إقامتها على سبيل الاشتهار والعموم) اهـ.

وإذن الدولة (الإمام) منتفٍ إذا أُقيمت في بيتٍ من البيوت، وبالتالي فهذا الشرط منتفٍ، وإذا أقيمت في مسجدٍ أذنتِ الدولة بإقامة الجمعة فيه عند بنائه(2) ففي ذلك مخالفة للأمر بعدم إنشاء التجمعات في هذه الأوقات ؟ فيلزم من تقليدِ من مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى في المسألتين السابقتين مخالفةُ مذهبه في هذه الشرط، فتتولّد صورةٌ لا يصححها مذهب من المذاهب الأربعة بحسب علمي، وهذا هو التلفيق الممنوع.

ولذا فالذي أظنُّه بناءً على ما تقدَّم: عدم الاجتماع لإقامة الجمعة:
1) في وقت هذه النازلة.
2) في أماكن انتشار الوباء.
بل يصلي الناس ظهرًا في بيوتهم، خاصةً وأنَّ (الدول) الآن تمنع الناس من التجمعات ليس في المساجد فقط بل في كل مكان حذرًا من انتشار الفيروس، مما قد يسبب عجزها عن استيعات الحالات المتزايدة، وإن كانت نسبة الوفيات من هذا الوباء ليست عالية.

و كلام فقهائنا الشافعية رحمهم الله تعالى صريحٌ أنَّ الإمام إذا أمر بمباحٍ للمأمورِ كالتسعير، أو بمندوبٍ لا مصلحةَ عامة فيه، كصلاة راتبة .. وجب ظاهراً فقط، أو بمندوب فيه مصلحة عامة كالصيام للاستسقاء .. وجب ظاهراً وباطناً، كما التحفة (3/116) و حاشية الباجوري (2/212) وبشرى الكريم (ص435)، وأمر الحكومات المسلمة الآن بالابتعاد عن التجمعات إما من الأمر بالمباح الذي فيه مصلحة فيجب ظاهرًا ، أو من الأمر بالمندوب – وهو ما أظنه – فيجب ظاهرًا وباطنًا، وهذه هي المسألة الثانية.

ولله أعلم، وصلى الله عليه وسلّم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

……………………………………………………………..
[1] تركتُ عمدًا شرط الحرية؛ لعدم وجود الرق.
[2] هذا الاشتراط عند بناء المسجد فقط لا لكل خطيب، ففي حاشية الطحطاوي من كتب الحنفية: (وفي البحر أيضا وصرح العلامة ابن جرباش في التحفة في تعداد الجمعة بأن إذن السلطان أو نائبه إنما هو شرط عند بناء المسجد ثم بعد ذلك لا يشترط الإذن لكل خطيب فإذا قرر الناظر خطيبا في المسجد فله إقامته بنفسه وبنائبه وإن الإذن مستصحب لكل خطيب)اهـ.

3 رأي حول “حكم إقامة الجمعة في البيوت [نازلة كورونا]”

  1. فضيلة الدكتور، أنت ترى أن ظاهر المذهب الشافعي يقول بجواز إقامة الجمعة في البيوت…
    ما أعنيه، أن المذهب لم يصرح بجواز ذلك في البيت، ولكنه يُفهَم من إطلاقهم وقولهم(ولو غير مسجد)، لكن اللمحة التي أريد الإشارة إليها: إن الأماكن تقسم إلى قسمين؛ عام كالمساجد والصحراء ونحوهما، وخاص كالبيت أو مجلس خاص ونحوهما، ثم بعد ذلك نقول ينبغي لنا حمل الإطلاق في كلامهم على الأماكن العامة كالصحاري والساحات العامة، أما الأماكن الخاصة كالبيت أو مجلس خاص فلا؟
    فإن قلت: وما الذي يحملنا على هذا؟ الجواب أن كلامهم يدور غالبا على ما كان عاما لا خاصا من الأمكنة، وهذا يُستشعر مع اعتبار دلالة السياق، وكذلك إننا لو بحثنا لما وجدنا نصا لهم على البيت، مع أن هذا من عزيز المسائل….

    وهذا الذي تقدم بيانه فيما أعلم، لكن إن وُجد نص لهم على جواز ذلك في البيت، فعندها لا معنى لكلامي هنا….
    والله ولي التوفيق

    رد
  2. هناك قول مرجوح للشافعي رحمه الله تعالى بعدم اشترط الأربعين، أما التعدد فيبيحه تعسر الاجتماع بمنع الحكومة

    رد

اترك رداً على أبو عمر إلغاء الرد